الأربعاء، 3 يونيو 2015

إنما الدنيا أيام ثلاث...

القديم جميل وكل قديم لافت وجذاب, الماضي له رونق خاص هذه هي طبيعة الأنسان يعشق الماضي والأيام الخوالي يحب حكايات أيام زمان وقصص الأجداد, يهوى العتيق دائماً.  والحكمة من ليس له تاريخ لا مستقبل له, فهو أرتباط أبدي بالتاريخ, يُغني الأنسان للماضي ويرقص على ذكراه, يتذكر أيام الصِبا, أيام الشباب والقوة والعنفوان, أيام كان صغيراً يجري هنا وهناك بحرية لا يبالي, أيام الطفولة والبرأة أيام اللعب واللهو لها مكانة خاصة في ذاكرة الأنسان.

يقول البعض الرجوع الى الماضي هو الأنغلاق بعينه, أصله الهروب من الحاضر الذي نعيشه ومن عدم القدرة على المواجهة فلهذا نحن نفر الى الماضي نلتجأ إليه, والصاحب القديم واصله واستديم كما يقول المثل, والماضي صاحب قديم.  الحاضر في معضمه صار كابوساً مخيفاً وحش مفترس يتسلل الينا ويأتينا بين الحينة والأخرى لينغص علينا حياتنا لما فيه من أحداث عظام, يبث فينا الخوف والرعب ويُفسد أوقاتنا ويُشتت تفكيرنا وينزع الخير والبركة منها ويُعيث فيها فساداّ, يُدمر بُنياننا ويسرق الأبتسامة من وجوهنا.

ننظر الى الماضي وكلنا شغف في أن نسترجع هذه اللحظات في حياتنا من جديد, ياليث الزمان يعود يوماً, نشتاق الى الجلوس في تلكم الأجواء واللحظات مع القديم مع الأجداد والجدات, دائما يجري بنا التفكير في هذا الأتجاه, اليوم يقلقنا ويرعبنا ونخافه لأن المستقبل بعده, والمستقبل لا يُبشر بخير, مجهول وغير معلوم, لا نعلم فيه شئ فهو لم يكن بعذ, أما الماضي فقد صار وانتهى وكان يامكان, أصبح قصص وحكايات وذكريات,   نأخدهُ دواءً وعلاجاً لأمراضنا ومأسينا فيه كل الراحة والشفاء, فقط جرعة من أشوق الماضي وذكرياته الجميلة تُشفينا وتُعطينا القوة والنشاط والعافية, هذا الماضي.

الماضي يعطينا صلابةً وعزتاً وشموخاً, يبعت فينا الحياة من جديد, يدعم ثقتنا في أنفُسنا, يزيدنا طاقة ترفع مناعتنا لنعيش اليوم والغد, نتدكر الماضي أحياننا بألم وحسرة وقهر ومرات بفرح وسرور وأشواق, كله دروس في النهاية, كان الماضي حاضراً وكان مستقبلا في وقت ما واليوم صار ماضياً, كنا ننتظر تلكم الأيام واليوم نتكلم عنها ونذكرها وغدا نصبح نحن الماضي, هذه هي الحياة ببساطة, حركة دائرية مستمرة لا تتوقف, اليوم حاضر وغداً يصبح ماضي و المستقبل بات حاضراً في حركة منتظمة كحركة عقارب الساعة تدور بدقة عالية, كل ثانية كل دقيقة هي لحظة من لحظات الحياة, تاريخ سيصبح ذكرى وفي الغد تُكتب في كتاب لتُقرأ في المستقبل,  وما الحياة الدنيا الا ثوان ودقائق تصبح ذكريات, تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل وكله يصبح ماضاً وكأنه يوماً كان وأنقضى, كما جاء في القرآن الكريم: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ, قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ. (المؤمنين)

ذكرى الأنسان وذكرياته هي الأنسان نفسه هي تكوينه وشخصيته, وفي التراث أن الأنسان يصنع تاريخه وحاضره ومستقبله, ذكريات الأنسان تُخزن وتُحفر في الوجدان كا الحفر والرسم في الصخور, في أوراق صخرية منحوتة منقوشة في الجبال لكي لا تُنسى وتبقى شاهداً وتراثاً ومنجماً وعلامة, تبقى أزمانا مُغيبةً مجهولةً لاتُرى مخفية من كثرة الغُبار عليها, حتى صارت الوجدان نفسه كالجبل نفسه وفي لحظة زمنية ما تظهر على السطح تُبعث فيها الحياة تستيقض ويسطُع نجمُها من جديد كأنها كُتبت اللحظة, كأنها خُطت اليوم.

سبحان الله خلق الأنسان في أحسن تقويم وسيره ونعمه وأعطاه نعمة النسيان وفي نفس الوقت جعله ينظر في التاريخ يقراء الماضي, جعله ينظر الى الوراء الى الأزمان الغابرة يستخرج العبر والدروس يأخد ماينفعه ومايزيده قوة وحكمة وخبرة, كما جاء في القرآن الكريم: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ. (العنكبوت) - والمعروف أن الأنسان سُمي إنساناً لكثرة نسيانه كان هذا حال أبونا أدم وحال أبنائه من بعده وحال الأنسانية, كما في القرآن الكريم: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىَ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً.  (طه)

نسيان الأنسان يكون موقت جزئي أحياناً وليس فُقدان كامل للذاكرة, معظم ذكرياته وحياته تكون محفوظة ومخزنة, موجودة وغير موجودة في نفس الوقت, غير مادية غير ملموسة, متى شاء طلبها فتش فيها أستخرج منها مايريد أخد ماكان يبحت عنه, مايفيده في حاضره ومستقبله, أخد الحكمة والعبرة والمعرفة ونسى الباقي أو تنساه الى أجل, ليعود اليه وقت الحاجة, هكذا هو النسيان علاج لأستمرارية الحياة لينظر الأنسان الى الأمام الى الغد.

الدنيا أيام ثلاث, الماضي والحاضر والمستقبل, ماضينا هو العبرة والحكمة وتجارب الأباء والأجداد والأمم التي سبقت, دروساُ نتعلم منها الكثير, نستفيد منها نأخد النافع ونترك الضار نُعلِمها ونُعرِفها أولادنا فهي عُصارة الحياة مليئة بالنصائح والدروس, لعلهم ينتفعوا بها في حياتهم وفي حاضرهم ومستقبلهم, تبني الأجيال.

والحاضر قصير لا يطول يذهب ويُصبح ماضياُ في لحظة خاطفة سريعة كالبرق, تجده كان  وصار وإنتهى, كل الذي علينا فعله هو أن نعيشه ونستمتع به ونحمد الله سبحانه عليه, لأنه هِبة وليس حق هو هدية كما سُمي في بعض اللغات, عيش يومك وأستشعر هذه النعمة وأشكر الله عليها فغيرك صار ماضياً ذهب وولى, علينا أن نجعل مرور الأيام والأعوام منبهاً ومذكرا لنا فمعظم بني أدم لا يشعر بالنعمة الذي هو فيها إلا إذا ذهبت وغابت وإنقضت لا يستشعرها حتى تكون ماضياً, تاريخاً يذكر, وفي الحديث الشريف: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا.

الحاضر هو فرصة للتوبة وللأستغفار, للعمل الصالح ولكسب الأجر والثواب, لزرع الخير ونشره, لتقويم أنفسنا, للعبور الى المستقبل بروية وثبات وقوة وعزيمة, عيش يومك يا أنسان.

الغد أتي لا محالة, سُنة الله في الخلق ولن تجد لسُنة الله تحويلا ولا تبديلا, المستقبل في حالة دوران لا نهائية كدوران الأرض حول الشمس, وكدوران القمر حول الأرض وكا أختلاف الليل والنهار أية من أيات الله سبحانه, وفي لحظة, ينتهي المستقبل الذي كُنا ننتظره, أنتظاراً على أحراً من الجمر ويصبح حاضرأ وفجئةُ, بسرعة خاطفة ينقضي ويكون ماضياً, كان هنا, في زمننا هذا نرى ونحس ونشعر بالماضي والحاضر والمستقبل في كل يوم, في يوم واحد تمر علينا المراحل الثلاث, في حركة دائمة, طواف مستمر بدون توقف الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

في صلاوتنا اليومية نسير في أزمان شتئ, نعيش لحظات روحانية نرتحل فيها من زمن الى أخر, نعيش في المستقبل قبل أن نراه ونحياه, نزور الماضي ونجلس في رحابه, نشاهد المواقف والأحداث, نتجول في ملكوت الله, نحمده سبحانه ونشكُره على ما أتانا من فضله, نسأله الرحمة والمغفرة والجنة فالصلاة أنتقال دائم من زمن الى أخر, هي حركة سريعة نتنقل فيها بين الأزمان نجوب فيها الكون في حركة روحانية نشاهد فيها العوالم القديمة وما صار منهم نرى المستقبل البعيد, نشاهد الجنة وما فيها من نعيم, نري الدار الأخرة, نرى بداية الخلق وأدم وحواء, نقف في زمن سيدنا نوح نسمع حواره مع قومه نراه قائماً على صناعة الفلك يذكر الله, نسمع حواره مع أبنه نألم لتألمه ونفرح لفرحه, نسافر الى زمن أخر زمن أيوب نرى ماحدث له وكيف صبر في مرضه ونتدكر معه دعائه الى الله حين قال: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. (الأنبياء) - فأستجاب الله له وشفاه و رزقه من حيث لم يحتسب.  

نرحل الى عصر فرعون وهامان, نسمع كلام الله مع موسى في الوادي المقدس طوى, أذ قال الله لموسى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى, وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. (طه) - حوار بين الله وموسى, ذكره الله لنا في كتابه العزيز, يحكي لنا قصةً عظيمةً غاية في الروعة و الجمال, فيها من المواعظ والحكم والكنوز الشئ الكثير, نقراء عن قوم عاد وثمود وقوم صالح وسائر الأمم, نشاهد ما صار فيهم من بعد إعراضهم وكفرهم وجزاء المؤمنين بعد إيمانهم, نتعلم الدروس, نُنزلها على واقعنا, نستفيد منها, نتجول في ملكوت الله, نسمع دعاء يونس عليه السلام وتسبيحه في بطن الحوت في ظلمات ثلاث, نشاهد الأحداث العِظام والمواقف الجِسام في رحلة غاية في الأبداع, مشَاهد عديدة صارت في أزمنة خلت منذ زمن نقرأها نحن اليوم ونستشعرها وكأننا في زمنهم, نتعلم ونأخد الحكمة منها, قصص من وراء قصص ليست لتسلية أو أضياع وقت وإنما لأخد الدروس والفوائد, نقرأ عن نبي الله يوسف وما فُعل به وكيف ألقاه أخوته في غيابت الجب, نشاهد صوراً من حكايته, نزوره في السجن وكيف صبر الى أن صار عزيزأ, نبقى معه الى أن تنتهي القصة بلقائه أبويه وتحقيق رؤياه حين قال: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً. (يوسف)

تلكم هي الصلاة عبادة ربانية تُقَربنا الى الله سبحانه وتعالى وفيها نجول ونُبحر ونُحلق في صفحات الكون نُقلب صفحات التاريخ نرى الشئ العجيب, نُقلب صفحات الزمن صفحة صفحة, نشاهد أحداث الماضي ونتجول فيه على بِساط روحاني من مكان الى أخر نطلب الرحمة والمغفرة والنجاح في حاصرنا, اليوم وغداُ.  نطيل أحياننا في ترحالنا وسفرنا وسجودنا ندعوا الله بدعوات أنبياهِ ورسلهِ نقول كما قالوا كما عَلمنا رسولنا الكريم وكما قرأنا في الكتاب الكريم ونسأل ربنا الكريم المغفرة والتوبة وحُسن الختام, وما أن نجلِس للتشهد الأخير حتى نُسلم ونحط ونعود من رحلة مليئة بالأحداث والمواقف, رحلة عظيمة فيها كل الأجر والثواب والهداية, فيها المتعة والرجاء والتطلع بين ماضي  وحاضر ومستقبل, في سفر وترحال الى مشارق الأرض ومغاربها وفي لحظات قليلة نعود بالأجر والربح والمنفعة بإذن الله.

علينا الا ننسى ماضينا ولا نُفسد الحاضر بالأتفاف الى الوراء ولا ننغْص علينا يومنا بالتفكير في المستقبل, علينا أن نتخد بين هذا وذاك سبيلا والاعتدال خير الأعمال كما هو معلوم وخير الأمور أوسطُها, اللهم اجعل خير أعمالنا خواتِمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك, اللهم اغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقي وبارك لنا في ماضينا وحاضرنا و مستقبلنا.

إلى غداً أجمل بإدن الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق